المصدر: الشرق
حتى أخبار قرب انتهاء حرب إيران لم تعد كافية لإنعاش أسعار الذهب، أو هذا ما تعلمناه يوم الأربعاء.
فعلى الرغم من أن الأداء الباهت للمعدن النفيس خلال الحرب جعله أقرب إلى أداة استثمار عالية المخاطر منه إلى ملاذ آمن، كان على الأقل يتصرف بشكل متوقع مع توارد أنباء إيجابية حول فرص إعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز. إذ تنخفض أسعار النفط، ويهبط الدولار، فيرتفع الذهب. وعوّل المستثمرون على أن انتهاء الصراع سيحمل معه بداية التعافي الذي سيمهد لاحقاً للصعود إلى مستويات تفوق 5 آلاف دولار للأونصة، كما تشير توقعات بنوك مثل “غولدمان ساكس”.
ثم جاءت الصدمة يوم الأربعاء. إيران أعلنت عن مسودة اتفاق مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، تتضمن إعادة فتح المضيق. هوت أسعار النفط، وارتفعت أسعار الأسهم كما جرت العادة، لكن أسعار الذهب استمرت في الانخفاض. تغيّر اتجاه السوق بعد نفي البيت الأبيض للبيان الإيراني، وبقي الذهب متراجعاً ليهبط إلى ما دون 4,400 دولاراً للأونصة صباح يوم الخميس، أي بانخفاض أكثر من 16% منذ بداية الأزمة.
الذهب لا يمنح حامله عائداً مثل السندات أو حتى الدولار، وهو ما جعل الأخير الملاذ المفضل للمستثمرين خلال الأشهر الثلاثة الماضية. باعت بعض البنوك المركزية ذهباً للدفاع عن عملاتها، وفضّل العديد من المستثمرين الأفراد جني أرباحهم من السلعة لتغطية أي خسائر أخرى، خاصة بعد تحطيمه لمستويات قياسية في الأشهر التي سبقت اندلاع الحرب.
التضخم والفائدة
لكن ما حدث يوم الأربعاء، هو أن العلاقة العكسية بين أسعار النفط والدولار من ناحية، والذهب من ناحية أخرى، لم تعمل كما كان يُفترض أن تعمل. السبب كما قال محللون لـ”الشرق” و”بلومبرغ” هو توقع أن يؤدي التضخم إلى إبقاء “الاحتياطي الفيدرالي” على أسعار الفائدة عند المستويات المرتفعة الحالية لفترة أطول، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.
لذلك قد يكون مستثمرو الذهب الأكثر قلقاً من بين معظم من ينتظر بيانات مؤشر التضخم المفضل للاحتياطي الفيدرالي يوم الخميس.
لكن البيانات، على الأرجح، لن تحمل أخباراً سارة. حيث يتوقع المحللون في مسح أجرته “بلومبرغ” ارتفاع مؤشر الإنفاق الاستهلاكي الشخصي 3.8% في أبريل، أي أعلى بنقطة مئوية كاملة منذ فبراير، قبل بداية الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
وحتى مع استبعاد العناصر الأكثر تقلباً مثل الغذاء والطاقة، فإن التوقعات تشير إلى ارتفاع الأسعار بأسرع وتيرة منذ أواخر 2023، بحسب بيانات جمعتها “بلومبرغ”.
انقسام بين المستثمرين
فيليب نومان، العضو المنتدب لـ”ميتال فوكس” (Metals Focus) قال في حوار مع نور عماشة عبر برنامج “رادار السوق”، إن عدم اليقين حول انتهاء الحرب “يغذي سردية بقاء التضخم مرتفعاً” في ظل ما وصفه بـ”انقسام المستثمرين المؤسسيين حول مسار أسعار الفائدة”، لكنه أشار في المقابل إلى تماسك الطلب من قبل البنوك المركزية.
أما إيفا مانثي، محللة السلع الاستراتيجية في “آي إن جي”، فأشارت في مداخلة مع محمد فتحي في “جلسة المساء”، أنها تتوقع استمرار تحرك أسعار الذهب في نطاقها الحالي، قبل أن تضيف: “طالما أن أسعار الفائدة لا تنخفض، سيكون من الصعب على الذهب أن يعود إلى حركة الصعود التي كان عليها”.
ومع تقلص احتمالات خفض أسعار الفائدة الأميركية هذا العام، فما الذي يمكن أن يدفع الفيدرالي لتغيير موقفه؟
اقرأ أيضاً: محضر الاحتياطي الفيدرالي يُظهر تحذيرات متزايدة من سيناريو رفع الفائدة
ثلاثة سيناريوهات
السيناريو الأول هو نهاية وشيكة للحرب تعيد حركة الملاحة إلى مضيق هرمز، وهو ما قد يعني أن الصدمة التضخمية التي تعرض لها الاقتصاد الأميركي ستكون مؤقتة.
أما المسار الثاني فهو أن تؤدي أزمة الطاقة إلى تراجع حاد في الطلب الاستهلاكي وارتفاع البطالة، فيضطر الفيدرالي عندها إلى دعم الاقتصاد بخفض الفائدة.
هناك سيناريو ثالث أكثر تعقيداً، وهو أن يبقى التضخم مرتفعاً مع تراجع معدلات النمو بصورة ينزلق معها الاقتصاد نحو ركود أو “جمود” تضخمي، يقف أمامه “الفيدرالي” مكتوف الأيدي.
بالإضافة إلى أرقام الاستهلاك الشخصي لشهر أبريل، من المنتظر أن تعلن الحكومة الأميركية عن القراءة الثانية لبيانات الناتج المحلي الإجمالي عن الربع الأول، والتي يشير مسح “بلومبرغ” إلى أنها ستكون من دون تغيير عند 2%.
التصريحات الأخيرة لعدد من صانعي السياسات تشير إلى أن ارتفاع الأسعار يشكل حالياً صداعاً أكبر من خطر معدل البطالة. من بين هؤلاء ليزا كوك، التي قالت في تصريحات يوم الأربعاء، إنها قد تساند رفع الفائدة ما لم تتحسن مؤشرات التضخم.
هذا يعني أن الطريق أمام الذهب والمؤمنين بقدرته على الصعود وعر وطويل، من دون مساعدة من ترمب أو البيانات.

