لم يكن الاقتصاد مجرد قضية بين قضايا انتخابات التجديد النصفي الأميركية للكونغرس، بل كان “صاحب الكلمة الحاسمة”، والعدسة التي قيّم الناخبون من خلالها أداء الإدارة الأميركية في ولاية الرئيس دونالد ترمب الثانية والأخيرة في البيت الأبيض.
حيث أظهر استطلاع أجرته شبكة “إن بي سي” أن الملف الاقتصادي كان الأبرز على أجندة الناخبين، بنسبة 39%، متفوقاً على حال الديموقراطية في الولايات المتحدة (32%). ورأت الغالبية العظمى من المشاركين (65%) أن سياسات ترمب أدّت إلى تدهور الوضع الاقتصادي للولايات المتحدة. ولأن منصب الرئيس لم يكن من بين المطروحين للاقتراع، تحمّل الحزب الجمهوري تبعات هذا الغضب، ليخسر أغلبيته في مجلسي النوّاب والشيوخ لمصلحة الديموقراطيين.
تبرز النتائج مفارقة بين مؤشرات اقتصادية إيجابية لنمو الاقتصاد الأميركي والطفرة التي تشهدها أسواقه المالية خلال العامين الماضيين، والمواضيع التي تصدرت قائمة اهتمام الناخبين. حيث رأى 44% من المشاركين في الاستطلاع أن أوضاعهم المالية أصبحت أكثر سوءاً عما كانت عليه قبل عامين، عندما تولى ترمب السلطة.
التضخم يدلي بصوته في الانتخابات
حُسمت نتائج الانتخابات قبل اليوم بكثير، مع زيادة تكاليف المعيشة على المواطن الأميركي، وانتشار الاستياء الشعبي من ترمب وسياساته التجارية والعسكرية بشكل ملحوظ، حيث أعرب ما يقارب الـ90% من المشاركين في الاستطلاع عن قلقهم من ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية وتكاليف الخدمات الصحية.
يأتي ذلك وسط تصاعد الضغوط التضخمية في نهاية الربع الثالث، حيث ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، الأكثر متابعة من جانب الاحتياطي الفيدرالي، بنسبة 0.5% في سبتمبر، مسجلاً أكبر زيادة خلال ستة أشهر.
تسارع معدل التضخم أضاف مزيداً من الأعباء على أسر تعاني من ارتفاع متواصل في الأسعار في أعقاب جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا، علماً أن ملف التضخم كان من بين العوامل الرئيسية التي ساعدت ترمب على هزيمة مرشحة الحزب الديموقراطي للرئاسة، كامالا هاريس، في الانتخابات.
ويرى كثير من الناخبين انتخابات التجديد النصفي الأميركية بمثابة “رفض لأداء ترمب وفي مقدمته ملف الاقتصاد”، حيث قال 43% من الناخبين في الاستطلاع إن أحد أسباب تصويتهم كان التعبير عن معارضتهم لساكن البيت الأبيض، وهي نسبة أعلى من تلك المسجلة في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018، خلال ولايته الأولى.
فاتورة ولاية ترمب الثانية
أدت الضغوط التضخمية كذلك إلى رفع الفيدرالي لأسعار الفائدة هذا العام، في انتكاسة لترمب الذي تعهد قبل انتخابه بخفض تكلفة الإقراض وكبح جماح الزيادة في الأسعار.
كما تراجعت ثقة المستهلكين بشكل حاد مقارنة بمستوياتها قبل تنصيبه. ورغم تعهد الرئيس بإعادة المصانع إلى الولايات المتحدة الأميركية، فإن عدد الوظائف في قطاع التصنيع الأميركي اليوم أقل مما كان عليه عندما عاد إلى منصبه.
مؤيدو ترمب أكثر المتضررين من رسومه
وفي حين أكد ترمب أن رسومه الجمركية ستدشن عصراً ذهبياً جديداً في أميركا، لكنها في معظمها لم تفعل سوى زيادة الأسعار. والأسوأ أن المزارعين، الذين يعدون من أقوى مؤيدي ترمب، هم أكثر من تحملوا تبعات الرسوم الجمركية الانتقامية التي فرضتها الصين على فول الصويا وغيره من المنتجات الزراعية، بحسب بلومبرغ.
في خطاباته الأخيرة، نفى الرئيس أن تكون الرسوم قد رفعت تكاليف المعيشة. وقال في كورنث بولاية ميسيسيبي: “إنهم لا يكفون علن ترديد الرسوم الجمركية. إنها ليست سبب ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة. أتعرفون ما الذي تسببه؟ النجاح. إنها تحقق النمو. وتوفر الوظائف”.
غير أن مؤسسة “بادجت لاب” التابعة لجامعة ييل قدّرت في أغسطس أن الرسوم الحالية على السلع الأجنبية تكلف كل أسرة أميركية نحو 1100 دولار سنوياً.
ولم تقتصر آثار ضرائب الاستيراد هذه على السلع الأجنبية، بل أدت أيضاً إلى ارتفاع أسعار المنتجات المصنوعة في الولايات المتحدة. وذكر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في تقرير أصدره في سبتمبر أن المنتجين الأميركيين “يرفعون هوامش أرباحهم لأنهم يواجهون منافسة أقل من الواردات الأعلى سعراً. ونتيجة لذلك، يكون تأثير الرسوم الجمركية على أسعار المستهلكين أكبر وأطول أمداً مما قد يوحي به تأثيرها المباشر وحده”.
حرب إيران تفرغ جيب المواطن الأميركي
تتزايد كلفة الحرب التي يخوضها ترمب ضد إيران على جيوب الأميركيين أيضاً، إذ قدّر مؤشر تكاليف الطاقة التابع لجامعة براون أن ارتفاع أسعار البنزين والديزل بفعل الصراع حمّل كل أسرة أميركية أعباء إضافية تجاوزت 1120 دولاراً حتى الآن. وزادت أسعار البنزين بنحو 39%، مدفوعة إلى حد كبير بالحرب التي لا تحظى بتأييد شعبي.
وبحسب تحليل أجرته شبكة” CNN” لبيانات جمعية السيارات الأميركية، بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي 4.15 دولار على مستوى البلاد، وهو أعلى سعر يُسجل في يوم انتخابات أميركية منذ بدء البيانات التي شملها التحليل عام 2000، حتى بعد تعديل الأسعار وفق التضخم.
وتجاوز السعر بذلك الرقم القياسي السابق البالغ 3.80 دولار للجالون، والمسجل خلال انتخابات التجديد النصفي عام 2022، عندما بلغ التضخم أعلى مستوياته في 4 عقود خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، الذي طالما اتهمه ترمب بفشل أجندته الاقتصادية وتسببه في تسارع التضخم في البلاد.
الانتخابات ستنتهي.. لكن التكاليف مستمرة
ولا تقتصر الفاتورة التي سيدفعها المواطن الأميركي بسبب حرب ترمب على ارتفاع أسعار الوقود، بل تمتد إلى الإنفاق العسكري المباشر كذلك؛ إذ تقدر وزارة الدفاع الأميركية أن تكلفة الحرب بلغت ما لا يقل عن 47.1 مليار دولار منذ اندلاعها في فبراير الماضي، بحسب بلومبرغ.
ولا تزال هذه الأعباء مرشحة للتزايد مع استمرار الصراع. ففي سبتمبر، قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن استمرار الحرب يكلف الولايات المتحدة ما بين ملياري و3 مليارات دولار شهرياً. وفي الشهر نفسه، أشار بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، في تقييمه للاقتصاد، إلى استمرار انعكاسات الصراع في الشرق الأوسط على أسعار الوقود والمنتجات البتروكيماوية والأسمدة والنقل، التي لا تزال جميعها أعلى من مستوياتها قبل الأزمة.
وتضاف إلى هذه الفاتورة أعباء أخرى مؤجلة، إذ سيضطر دافعو الضرائب الأميركيون في نهاية المطاف إلى تمويل إعادة بناء مخزونات الأسلحة والنفط التي استنزفتها الحرب، بما ينذر بتكاليف إضافية بمليارات الدولارات، لتنتهي بذلك الانتخابات السياسية وتظل الفاتورة الاقتصادية حاضرة.
الشرق بلومبرغ

