يواصل العدو السعودي عدوانه على اليمن وشراء التحالفات والأسلحة والمرتزقة من مختلف الجنسيات، مقابل ثبات معادلة صنعاء الاقتصادية والعسكرية “بمواجهة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، والتي كادت أن تصفر مبيعات النفط، ورفعت مستوى الاستنزاف الحاد للمالية العامة للرياض.
ويكشف تراجع النشاط النفطي واضطراب أسواق الطاقة عن فجوة متسعة بين الإيرادات والإنفاق، ما دفع العدو السعودي نحو مزيد من الاقتراض وتوسيع نطاق الدين العام.
ورغم الارتفاع المؤقت لأسعار النفط وتجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، إلا أن العجز مستمر في التفاقم بسبب فاعلية الحصار اليمني واستهداف منشآت أرامكو، حيث فاقمت أزمات الإمداد العالمية وتداعياتها الميدانية والاقتصادية التهديدات الموجهة لمستقبل الموازنة السعودية وإيقاف مشاريعها الكبرى.
أرقام الموازنة وتوقعات العجز
أرقام الموازنة السعودية لعام 2027 تكشف عن استمرار الضغوط على المالية العامة، مع توقع تسجيل عجز يبلغ 191 مليار ريال، بما يعادل 3.6% من الناتج المحلي، في وقت تقدر فيه وزارة المالية السعودية الإنفاق بنحو تريليون و392 مليار ريال مقابل إيرادات لا تتجاوز تريليوناً و202 مليار ريال، على أن يجري تمويل الفجوة عبر مزيد من الاقتراض.
ولا يتوقف المشهد عند العام المقبل، إذ رفعت الرياض تقديرات عجز العام الجاري من 165 مليار ريال إلى نحو 245 مليار ريال، أي بزيادة تقارب 80 مليار ريال عن التقديرات السابقة، بما يعكس اتساع الفجوة بين الإيرادات والإنفاق.
وتتزامن هذه الأرقام مع توقعات بانكماش الناتج المحلي الحقيقي خلال العام الجاري بنسبة 3.6%، مدفوعاً بانخفاض متوقع في الأنشطة النفطية بنسبة 21.8%، بينما تتوقع البيانات الرسمية نمواً في الأنشطة غير النفطية بنسبة 3.2%.
وفي مفارقة لافتة، تأتي هذه المؤشرات في وقت تجاوز فيه خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، مدفوعاً باضطراب الإمدادات ومخاوف شح المعروض، فيما ارتفعت الأسعار العالمية للنفط مجدداً خلال جلسات التداول الأخيرة. ارتفاع أسعار النفط إذاً لم يمنع استمرار العجز في موازنة السعودية، ما يعيد إلى الواجهة سؤال قدرة الإيرادات النفطية على مواكبة حجم الإنفاق والالتزامات المالية المتزايدة.
ولسد فجوة الموازنة، تتجه الرياض إلى مواصلة الاعتماد على أدوات الدين من السندات والصكوك والقروض، فيما قدرت خطة الاقتراض السعودية احتياجات التمويل لعام 2026 بنحو 217 مليار ريال.
وفي الصورة الأوسع، لا تبدو أزمة الطاقة محصورة بالسعودية، إذ تتسع المخاوف من اضطراب الإمدادات عالمياً، وصولاً إلى طلب واشنطن من فرنسا وألمانيا الإفراج عن جزء من مخزونات الديزل الطارئة في محاولة لزيادة المعروض والحد من ارتفاع الأسعار.
وبحسب ما أوردته وكالة رويترز، تضمن الطلب الأمريكي الإفراج عن نحو 120 مليون برميل من الديزل خلال ستة أشهر، في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً متزايدة على سوق الوقود مع اضطراب إمدادات الشرق الأوسط وزيادة الاعتماد على الديزل الأمريكي.
ماذا قال الخبراء الاقتصاديون؟
وفي الصدد، يؤكد الخبير والمحلل الاقتصادي والصحفي رشيد الحداد أن الموازنة السعودية أخفت الكثير من الحقائق والصدمات عن الرأي العام المحلي والدولي، إذ بُنيت على أساس تناقص مبيعات النفط خلال الربع الأول وتجاهلت المخاطر المترتبة على إمدادات الطاقة وتداعيات الحصار البحري المفروض على الملاحة وصادرات النفط السعودي من قبل القوات المسلحة اليمنية، وفق تثبيت معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.
وأشار الحداد إلى أن الاعتراف بانكماش الأنشطة النفطية بنسبة 21% وتراجع الإيرادات قوبل بمحاولات احتيالية للتعويض شكلياً عبر ارتفاع خام برنت بنسبة 23%، في وقت يعيش فيه الاقتصاد السعودي صدمة حقيقية نتيجة توقف شبه كامل لصادرات النفط والغاز.
وأوضح أن الاعتماد الكلي على العائدات النفطية (التي تمثل 80% من الموازنة) يتداعى اليوم بفعل توقف شبكات إمداد حيوية كمصافي جيزان، وغياب الاستثمارات، ومغادرة عشرات المشاريع الاستراتيجية -كنيوم ورؤية 2030- في بلد يعيش حالة حرب، مشدداً على أن لجوء الرياض لاقتراض أكثر من 15 مليار دولار مؤخراً يعكس أزمة خانقة، وأن توقعات النمو لعام 2027 بنحو 12.7% مبالغ فيها ولا تعكس الواقع الفعلي للتراجع وفقدان الأسواق والحصص السوقية عالمياً.
من جانبه، يرى الباحث والخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور عماد عكوش أن ارتفاع أسعار النفط لم يعوض عجز الموازنة، وأن تكاليف الشحن والتأمين المرتفعة وتضاعف مدة النقل أدت إلى “خربطة” سلاسل التوريد والتهمت الإيرادات.
وأوضح عكوش في حديثه “للمسيرة” أن العجز المتوقع لعام 2026 بنحو 44 مليار دولار قد يرتفع إلى حدود 85 مليار دولار بناءً على مؤشرات النصف الأول، في حين يقترب الدين العام من 485 مليار دولار مع نهاية العام مقارنة بـ 450 مليار دولار نهاية 2025، مدفوعاً باللجوء إلى سندات الدين وارتفاع الفوائد العالمية.
وأشار إلى أن الإنفاق العسكري السعودي في استمرار عدوانه على الشعب اليمني وشراء التحالفات البحرية وغيرها تجاوز 700 مليار دولار منذ عام 2018، بينما تلتهم خدمة الدين العام وحدها نحو 16 مليار دولار سنوياً.
وأضاف أن تعطيل الموانئ البحرية وضرب أنبوب “شرق-غرب” وإغلاق مضيق هرمز أدى إلى شل الإيرادات وعرقلة شبكات الأمان الاجتماعي الأساسية كالصحّة والتعليم ورواتب القطاع العام، معتبراً أن الاستدانة باتت بالغة الصعوبة، وأن استمرار الحرب سيراكم الديون ويهدد مشاريع رؤية 2030 برمتها ما لم تتوقف الحرب العدوانية على اليمن وتعود الأمور إلى مسارها الطبيعي، وتبحر سفن النفط السعودية من باب المندب، وتعود أرامكو لعملها بكامل طاقتها قبل بدء المعادلة اليمنية.
تداعيات سوق الطاقة
وعلى الصعيد العالمي وتداعيات أسواق الطاقة، بعد العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية في إيران وإغلاق مضيق هرمز وتثبيت المعادلة اليمنية الفاعلة، تمتد أزمة الطاقة من السعودية وتتسع المخاوف من اضطراب الإمدادات وصولاً إلى طلب واشنطن من فرنسا وألمانيا الإفراج عن نحو 120 مليون برميل من مخزونات الديزل الطارئة خلال ستة أشهر لمواجهة ضغوط سوق الوقود في أوروبا الناتجة عن اضطراب الإمدادات في المنطقة العربية وزيادة الاعتماد على الديزل الأمريكي.
وتؤكد المعطيات الرسمية والتحليلية أن اقتصاد العدو السعودي يعيش مرحلة حرجة تتسم بتصاعد العجز المالي واتساع فجوة الموازنة وتضخم الدين العام لمستويات غير مسبوقة تتجاوز النصف تريليون دولار.
وبينما تعتمد الرياض على أدوات الدين والقروض لتغطية نفقاتها التشغيلية والعسكرية والاجتماعية، فإن استمرار اضطرابات أسواق الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد، وتداعيات الحرب والحصار، تفقدها حصصها السوقية وثقلها الاقتصادي في عالم الطاقة.
وفي ظل لجوء المشترين الدوليين إلى مصادر بديلة، يبدو أن خطط التنمية ورؤية 2030 تواجه تحديات كبيرة لا يمكن تجاوزها سوى بمعالجة جذرية للأسباب، وفي مقدمتها وقف العدوان على الجمهورية اليمنية، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والنزول عند شروط القيادة السياسية والثورية لحكومة صنعاء التي تمتلك اليد الطولى والموقع الجيوسياسي الحاكم في المنطقة والقدرة الكاملة لخنق الاقتصاد السعودي وضرب استقرار سوق الطاقة، والتخلي عن وهم الحماية الأمريكية الصهيونية لبن سلمان المتسكع خلف تنفيذ السياسية التدميرية للأمة، والتعجيل في تحقيق مخطط كيان العدو الإسرائيلي المسمى بـ “إسرائيل الكبرى”، على حساب شعوب الأمة ومقدراتها ومقدساتها، وهو ما بدأ ينحسر إمام خطوات محور الجهاد والمقاومة المدروسة من باب المندب إلى هرمز، ومن العراق إلى حزب الله.
المسيرة نت

