في أوقات السلم: في الظروف الطبيعية وحالات الاستقرار، تسعى الدول إلى تحقيق توازن بين الإنفاق الاقتصادي ومتطلبات الأمن والدفاع. وتشير معظم النظريات والدراسات العسكرية إلى أن الحجم المناسب للقوات المسلحة الفاعلة يتراوح بين 0.5% و1% من إجمالي عدد سكان الدولة أو المنطقة. فعلى سبيل المثال، إذا بلغ عدد سكان دولة ما 6 ملايين نسمة، فإن الحجم الطبيعي لقواتها المسلحة في أوقات السلم يتراوح بين 30 ألفًا و60 ألف جندي.
المصدر: Draw
تُظهر الأرقام أن 4.43% من إجمالي سكان إقليم كردستان يعملون في القطاعين العسكري والأمني، أي أن شخصًا واحدًا من كل 23 مواطنًا في الإقليم هو عنصر مسلح أو موظف أمني.
وإلى جانب القوات العسكرية والأمنية التي لا تزال على رأس الخدمة وتتقاضى رواتبها، يبلغ عدد المتقاعدين من قوات البيشمركة 139 ألفًا و15 شخصًا، وهو رقم يقترب كثيرًا من عدد عناصر البيشمركة الفاعلين. ويُصنَّف هذا الوضع في علم المالية العامة على أنه “نظام غير سليم ومحفوف بالمخاطر”، إذ تنص النماذج العالمية على ضرورة وجود 3 إلى 4 عاملين نشطين على الأقل مقابل كل متقاعد واحد لضمان استدامة وتوازن صندوق التقاعد.
وبحسب أحدث إحصاءات وزارة المالية في إقليم كردستان، يبلغ إجمالي عدد متقاضي الرواتب في الإقليم مليونًا و190 ألفًا و391 شخصًا، فيما يصل إجمالي الرواتب الشهرية إلى 945 مليارًا و817 مليون دينار. وتشكل القوات العسكرية والأمنية 35% من إجمالي متقاضي الرواتب، لكنها تستحوذ على 41% من إجمالي الإنفاق على الرواتب.
المعيار العام لحجم الجيوش
في الاستراتيجيات العسكرية والأمن القومي، لا يوجد رقم ثابت أو معيار مطلق يصلح لجميع الدول أو المناطق، لأن تحديد حجم القوات المسلحة يعتمد على مجموعة من العوامل، أبرزها الموقع الجيوسياسي، وطبيعة التهديدات، والقدرات المالية، ومستوى التكنولوجيا العسكرية، والعقيدة القتالية المتبعة.
لكن عند النظر إلى المعايير العسكرية والتاريخية العامة، يمكن تصنيف النسب على النحو الآتي:
1- في أوقات السلم:
في الظروف الطبيعية والمستقرة، تسعى الدول إلى تحقيق توازن بين الإنفاق الاقتصادي ومتطلبات الأمن والدفاع. وتشير معظم الدراسات والنظريات العسكرية إلى أن الحجم المناسب للقوات المسلحة الفاعلة يتراوح بين 0.5% و1% من إجمالي عدد السكان. فعلى سبيل المثال، إذا بلغ عدد سكان دولة ما 6 ملايين نسمة، فإن حجم جيشها في أوقات السلم يتراوح بين 30 ألفًا و60 ألف جندي.
2- في أوقات الأزمات والحروب:
عندما تواجه دولة تهديدًا مباشرًا أو تدخل في حالة حرب، يُفعَّل نظام التعبئة العامة الذي يشمل قوات الاحتياط والتجنيد الإلزامي. وفي هذه الحالة قد ترتفع نسبة القوات المسلحة إلى ما بين 3% و5% من إجمالي السكان.
ومن الناحية التاريخية والاقتصادية، ثبت أن أي دولة لا تستطيع الإبقاء على أكثر من 10% من سكانها ضمن القوات المسلحة لفترة طويلة، لأن تجاوز هذه النسبة يؤدي إلى شلل اقتصادي نتيجة استنزاف القوى العاملة في القطاعات الإنتاجية والخدمية، مثل الزراعة والصناعة والصحة والخدمات.
قاعدة “التفوق بثلاثة أضعاف” في التكتيك العسكري:
في العلوم العسكرية، تُعد قاعدة 3 إلى 1 من المبادئ الأساسية، إذ يُفترض أن تمتلك القوة المهاجمة ما لا يقل عن ثلاثة أضعاف حجم القوة المدافعة عند مهاجمة مواقع دفاعية محصنة. لذلك، فإن الدول التي تعتمد استراتيجية دفاعية تحتاج عادةً إلى قوات أقل عددًا مقارنة بالدول التي تتبنى استراتيجيات هجومية.
المعيار العام لحجم القوات الأمنية
تختلف المعايير الخاصة بالقوات الأمنية الداخلية، مثل الشرطة والأجهزة الأمنية، عن تلك المتعلقة بالقوات المسلحة، ويمكن تلخيصها على النحو الآتي:
1- المعيار الدولي للقوات الشرطية والأمن الداخلي
تعتمد الأمم المتحدة والمراكز الدولية المتخصصة في الدراسات الأمنية معيارًا شائعًا يُعرف بـ”نسبة أفراد الشرطة إلى عدد السكان”.
وبحسب المعايير الدولية المتداولة، يبلغ المعدل نحو شرطي واحد لكل 400 إلى 450 نسمة، أي ما يعادل 0.22% إلى 0.25% من إجمالي السكان.
أما في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، فيرتفع هذا المعدل إلى شرطي واحد لكل 250 إلى 300 نسمة، أي ما يعادل نحو 0.33% إلى 0.40% من إجمالي السكان.
2- ارتفاع النسبة في أوقات الأزمات
في حالات الأزمات الداخلية، أو عدم الاستقرار السياسي، أو عمليات مكافحة الإرهاب، ترتفع نسبة أفراد قوات الأمن الداخلي بشكل ملحوظ، وقد تتجاوز في بعض الأحيان نسبة القوات العسكرية.
وفي مثل هذه الظروف، قد تصل نسبة عناصر الأجهزة الأمنية إلى ما بين 0.5% و1.5% من إجمالي السكان، أي بمعدل عنصر أمني واحد لكل 70 إلى 100 مواطن.
ويرجع ذلك إلى حاجة الدولة إلى نشر كثيف للقوات من أجل تأمين الأحياء والشوارع، وحماية المؤسسات الحكومية، وإدارة نقاط التفتيش، والحفاظ على الأمن العام، ومنع أعمال النهب والجريمة خلال فترات الاضطراب.
أعداد ورواتب القوات العسكرية والأمنية في إقليم كردستان
وفقًا لنتائج التعداد العام للسكان في العراق لعام 2024، يبلغ عدد سكان إقليم كردستان 6 ملايين و370 ألفًا و668 نسمة.
وبحسب أحدث إحصاءات وزارة المالية في إقليم كردستان، يبلغ إجمالي عدد متقاضي الرواتب في الإقليم مليونًا و190 ألفًا و391 شخصًا، فيما يصل إجمالي الرواتب إلى 945 مليارًا و817 مليون دينار. وتتوزع أعداد منتسبي القوات العسكرية والأمنية ورواتبهم على النحو الآتي:
قوات البيشمركة: 152 ألفًا و182 منتسبًا.
قوات الداخلية (الشرطة): 87 ألفًا و505 منتسبين.
قوات الأسايش: 42 ألفًا و896 منتسبًا.
متقاعدو البيشمركة: 139 ألفًا و15 متقاعدًا.
وفيما يلي قراءة تحليلية لهذه البيانات:
أولًا: نسبة قوات البيشمركة
يبلغ عدد منتسبي قوات البيشمركة 152 ألفًا و182 عنصرًا من أصل 6 ملايين و370 ألفًا و668 نسمة، أي ما يعادل نحو 2.38% من إجمالي السكان.
ووفقًا للمعايير العسكرية المتعارف عليها، فإن هذه النسبة تعد أعلى بكثير من المعدل العالمي في أوقات السلم، الذي يتراوح عادة بين 0.5% و1% من إجمالي السكان.
ثانيًا: نسبة قوات الشرطة
يبلغ عدد منتسبي وزارة الداخلية 87 ألفًا و505 أفراد، أي ما يعادل نحو 1.37% من سكان الإقليم.
وبذلك يصبح المعدل نحو شرطي واحد لكل 73 مواطنًا، في حين يبلغ المتوسط العالمي في الظروف الطبيعية شرطيًا واحدًا لكل 400 مواطن (ما يعادل نحو 0.25% من السكان).
وتشير هذه الأرقام إلى أن كثافة قوات الشرطة في إقليم كردستان تفوق المعدلات المدنية العالمية بنحو خمسة أضعاف، وهو ما يعكس مستوى مرتفعًا من الانتشار الأمني داخل المدن.
ثالثًا: نسبة قوات الأسايش
يبلغ عدد منتسبي جهاز الأسايش 42 ألفًا و896 عنصرًا، أي ما يعادل نحو 0.67% من إجمالي السكان، وبمعدل عنصر أمني واحد لكل 148 مواطنًا.
ويشير وجود هذا العدد، إلى جانب قوات الشرطة، إلى أن الأجهزة الأمنية الداخلية تتحمل عبئًا كبيرًا في الحفاظ على الاستقرار ومواجهة التهديدات الأمنية المحتملة.
رابعًا: متقاعدو البيشمركة
إلى جانب القوات العسكرية العاملة التي تتقاضى رواتبها، يبلغ عدد متقاعدي البيشمركة 139 ألفًا و15 شخصًا، وهو رقم يقترب كثيرًا من عدد منتسبي البيشمركة العاملين.
وفي علم المالية العامة، يُنظر إلى هذا الوضع على أنه نظام غير متوازن ومحفوف بالمخاطر، إذ تشير النماذج المالية العالمية إلى ضرورة وجود ثلاثة إلى أربعة عاملين نشطين على الأقل مقابل كل متقاعد واحد، لضمان استدامة التوازن المالي لصناديق التقاعد.
الاستنتاجات والأبعاد الاستراتيجية
تُظهر البيانات أن 4.43% من إجمالي سكان إقليم كردستان يعملون في القطاعين العسكري والأمني. وبعبارة أخرى، فإن شخصًا واحدًا من بين كل 22 إلى 23 مواطنًا في الإقليم بمن فيهم الأطفال وكبار السن هو عنصر مسلح أو موظف أمني. ويأتي ذلك فضلًا عن وجود 139 ألفًا و15 متقاعدًا من قوات البيشمركة.
وتترتب على هذه المعطيات جملة من التداعيات، أبرزها:
أولًا: العبء الاقتصادي
من الناحية المالية، فإن تخصيص أكثر من 4.4% من السكان للعمل في القطاعين العسكري والأمني يفرض ضغطًا كبيرًا على الموازنة العامة، ولا سيما في بند الرواتب والنفقات التشغيلية. ويؤدي ذلك إلى تقليص الموارد المتاحة للاستثمار في البنية التحتية، والتنمية الاقتصادية، والمشروعات الإنتاجية.
ثانيًا: الطابع الأمني للمجتمع
تعكس هذه النسبة المرتفعة (عنصر أمني أو عسكري واحد لكل 23 مواطنًا) استمرار اعتماد الإقليم على انتشار أمني كثيف، وهو ما قد يشير إلى أن البيئة الأمنية لا تزال تتطلب مستويات عالية من الجاهزية لحماية الأمن الداخلي والحدود.
ثالثًا: التكنولوجيا مقابل العنصر البشري
تشير الأرقام إلى أن نموذج الأمن المعتمد في الإقليم لا يزال يرتكز بدرجة كبيرة على كثافة الموارد البشرية، أكثر من اعتماده على التقنيات الأمنية الحديثة. ففي النماذج المتقدمة، يُستعاض عن زيادة أعداد الأفراد بتطوير أنظمة المراقبة الذكية، والتقنيات الرقمية، ورفع كفاءة العنصر البشري.
خلاصة
وبصورة عامة، تُظهر هذه البيانات أن الإنفاق على القطاعين العسكري والأمني يستحوذ على حصة كبيرة من الموارد المالية للإقليم، ولا سيما في بند الرواتب، وهو ما يحد من القدرة على توجيه مزيد من الإنفاق نحو القطاعات التنموية، مثل الصناعة، والزراعة، والتكنولوجيا، والبنية التحتية.

