لم تنجح قفزة أرباح الشركات السعودية المعلنة للربع الثالث من 2026 بنحو 35% في تحويل موسم النتائج إلى دفعة صعود لمؤشر “تاسي”.
فخلف الأرقام القوية، يتركز نمو الأرباح في عدد محدود من الشركات، بينما تستقطب الودائع ذات العائد مزيداً من الأموال، وتضغط الحرب وكلفة التمويل على شهية المستثمرين.
تراجع المؤشر الرئيسي 3.3% منذ نهاية سبتمبر إلى إغلاق 5 نوفمبر. ورغم تعافيه من موجة البيع التي ضربته في أواخر الشهر الماضي، فإنه ظل دون مستواه عند بداية موسم الإفصاحات، بما يطرح سؤالاً عن المحفز القادر على تحويل تحسن الأرباح وانخفاض التقييمات إلى طلب أوسع على الأسهم.
أرباح قوية للشركات السعودية.. ولكن
بلغت الأرباح المجمعة لـ181 شركة أعلنت نتائجها نحو 185.2 مليار ريال، بزيادة 34.8% على أساس سنوي، بحسب بيانات “أرقام”. يبقى النمو قوياً عند 19.2% حتى مع استبعاد نتائج “أرامكو السعودية”.
لكن مع استثناء نتائج شركتي “البحري” و “بترورابغ” أيضاً، فإن الصورة تنقلب إلى تراجع بنحو 1.7%، حيث استحوذت الشركات الثلاث على نحو 78% من الأرباح المعلنة.
ارتفعت أرباح أرامكو من 97.3 إلى 137.4 مليار ريال، وقفزت أرباح البحري من 513 مليوناً إلى 5.1 مليار ريال، وتحولت بترورابغ من خسارة بنحو 1.2 مليار إلى ربح 2.6 مليار ريال.
تُظهر البيانات ارتفاع أرباح 85 شركة، مقابل انخفاض أرباح 62 شركة وتسجيل 34 خسائر. تراجعت الأرباح المجمعة للعقارات 53.5%، وللأغذية والمشروبات 20.7%، وللاتصالات 9.9%، فيما نمت أرباح البنوك، ذات الوزن الكبير في المؤشر، 4.8%، متجاوزة التوقعات في معظمها.
غير أن جانباً من النمو ارتبط بظروف استثنائية: استفادت “البحري” من ارتفاع أجور الشحن بفعل اضطرابات الملاحة، و “بترورابغ” من تحسن هوامش التكرير. وفي أرامكو، بلغ نمو صافي الدخل المعدل نحو 9%، مقابل ارتفاع الربح المعلن 41%، ما يبرز أهمية مصادر الأرباح واستدامتها.
الحرب تطغى على النتائج
خلال أكتوبر، تزامنت الإفصاحات مع تصاعد المخاوف من الهجمات التي تتعرض لها أهداف مدنية في المملكة من قبل ميليشيا الحوثيين الموالية لإيران. وفي 22 أكتوبر أغلق “تاسي” عند 9696 نقطة، مسجلاً ثامن تراجع أسبوعي متتالٍ، في أطول سلسلة خسائر منذ 1994 رغم ارتفاع أسعار النفط.
وصفت “الراجحي المالية” التباين بين هبوط الأسهم وارتفاع النفط بأنه انفصال نادر، وأرجعته إلى المخاطر السياسية، التي غطت أيضاً على تساع نمو القطاع غير النفطي في الاقتصاد إلى 1.9% في الربع الثالث على أساس سنوي.
أموال أكثر في الودائع
تكشف بيانات البنك المركزي السعودي عن سبب آخر يرى بعض المحللين أنه قلل من جاذبية السوق خلال الفترة الماضية. حيث أظهرت ارتفاع الودائع الزمنية والادخارية المرتبطة بعائد إلى 1.417 تريليون ريال بنهاية سبتمبر، متجاوزة الودائع تحت الطلب البالغة 1.405 تريليون، للمرة الأولى منذ ديسمبر 2008.
نمت الودائع الزمنية والادخارية 20.7% منذ بداية العام، ونحو 23% مقارنة بسبتمبر 2025، علماً أن ملكية أكثر من 50% منها تعود للأفراد والشركات. ورغم أن هذا الارتفاع لا يثبت انتقال الأموال مباشرة من الأسهم، فإنه يوضح حجم المنافسة على المدخرات.
وتوفر صكوك “صح” لإصدار نوفمبر عائداً ثابتاً 5.13% لمدة سنة، في وقت تجمع فيه الأسهم بين تقلب الأسعار وعدم ضمان الأرباح والتوزيعات.
لم يمنع ذلك من تسجيل المستثمرين السعوديين صافي شراء بقيمة 2.56 مليار ريال في أكتوبر، مقابل غلبة البيع على تعاملات الأجانب والخليجيين، غير أن تلك المشتريات المحلية لم تكن كافية لمنع هبوط المؤشر.
تقييمات أقل.. لكن الفرص متفاوتة
انخفض مكرر ربحية السوق، الذي يقيس السعر مقابل الأرباح السنوية، إلى نحو 14.6 مرة، مقابل متوسط ثلاث سنوات عند 17.9 مرة. وكانت “الراجحي المالية” قد رصدت تراجع التقييمات إلى أدنى مستوياتها منذ 2018، وتقلص علاوة السوق على الأسواق الناشئة إلى 6%، مقابل متوسط 24%.
غير أن المتوسط يتأثر بالأرباح الكبيرة والتقييمات المنخفضة لأرامكو والبنوك، ولا يمثل كل الأسهم.
وللمقارنة، بلغ مكرر قطاع المواد الأساسية 43.7 مرة في 11 أكتوبر، فيما تفقد المكررات دلالتها المعتادة لدى الشركات الخاسرة.
ما المحفزات التي قد تدفع السوق؟
انتهاء الحرب أو تهدئة مستدامة: يخففان المخاطر على المنشآت والملاحة، وقد يدعمان عودة الأموال الأجنبية. وتظل المحصلة مرتبطة بتوازن انخفاض علاوة الحرب في أسعار النفط مع تحسن الإنتاج والصادرات.
مسار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي: تراجع احتمالات التشديد أو ظهور أفق لخفض أسعار الفائدة قد يدعمان الأسهم. لكن بيانات الوظائف الأميركية في 6 نوفمبر رفعت رهانات زيادة الفائدة في ديسمبر، ما يبقي خطر ارتفاع كلفة التمويل قائماً مع ارتباط الريال بالدولار.
توزيعات “أرامكو”: تدفع الشركة 82.1 مليار ريال في 25 نوفمبر. ومع ملكية الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة وجهاته نحو 97.48%، يُقدّر نصيب المساهمين الآخرين بنحو ملياري ريال. ويمكن أن يدعم المبلغ التداولات بقدر ما يُعاد استثماره في الأسهم.
ميزانية 2027 والنتائج المقبلة: وضوح مسار الإنفاق الحكومي، خصوصاً الاستثماري، يساعد على تقييم فرص المقاولات والأسمنت والبنوك. ويظل اتساع نمو الأرباح خارج الشركات الثلاث، مع استكمال الإفصاحات ثم النتائج السنوية، اختباراً لقدرة السوق على تعافٍ أوسع.
الشرق بلومبرغ

