عندما برزت الصين كدولة صناعية كبرى قبل أكثر من عقدين، رحّبت حكومات الدول الصناعية الغنية بهذا المصدر الجديد للسلع للرخيصة وميسورة التكلفة، وفتحت له أسواقها. أدى ذلك إلى فقدان ملايين الوظائف الصناعية في الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى، لكنه أسهم في الوقت نفسه في كبح التضخم، ما خفف من التداعيات الاقتصادية للأزمة المالية العالمية في 2008. وفي المقابل، أتيحت للشركات الغربية فرصة النفاذ إلى الطبقة الوسطى الصينية سريعة النمو، شرط أن تشارك خبراتها الفنية مع الشركات المحلية.
أما اليوم، فقد تبدلت هذه المعادلة، إذ باتت الشركات الصينية تنافس بقوة في قطاعات صناعية مرتفعة القيمة المضافة، لطالما شكلت ركيزة لازدهار العديد من الدول الغنية. فإلى جانب استمرار هيمنة الصين على إنتاج الأدوات المنزلية والألعاب والإلكترونيات الاستهلاكية، عززت حضورها في مجالات الروبوتات والسيارات وأشباه الموصلات والقطارات فائقة السرعة. ولم تعد تكتفي بتصنيع هذه السلع، بل أصبحت تنتج أيضاً جانباً كبيراً من الآلات اللازمة لإنتاجها.
وفي الاتحاد الأوروبي، تواجه قطاعات صناعية عدة ضغوطاً متزايدة من منافسين صينيين مدعومين، فيما يحوم العجز التجاري للتكتل مع الصين هذا العام حول مليار دولار يومياً. ودفع هذا الوضع الحكومات الأوروبية إلى التفكير في سياسات أكثر حمائية، بما قد يحد من التزام التكتل بمبادئ السوق الحرة.
فيما يلي أبرز الأسباب التي تجعل من الصعب على منافسي الصين الصناعيين إعادة المشهد إلى ما كان عليه.
سرعة التوسع تعزز تفوق الصادرات الصينية
أدى انهيار أسعار العقارات في الصين، الذي بدأ قبل نحو خمس سنوات، إلى إنهاك الموارد المالية للأسر وأسهم في موجة انكماش قياسية، ما عزز تنافسية المنتجات الصينية في الأسواق الخارجية ودفع الحكومة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الصادرات لدعم النمو. كما فاجأت السرعة التي رفع بها قطاع التصنيع الصيني وتيرة نشاطه، الاقتصادات الصناعية الأخرى، وقلصت قدرتها على الاستجابة سريعاً.
وتتجه قيمة صادرات الصين هذا العام إلى الارتفاع بنحو 80% مقارنة بعام 2019، استناداً إلى معدل النمو المسجل حتى أغسطس. ويعود ذلك جزئياً إلى نقص عالمي في أشباه الموصلات ومكونات إلكترونية أخرى، ما دفع أسعار بعض الرقائق إلى مستويات مرتفعة خلال العام الماضي.

