كان حي “باب شعوب”، كغيره من أحياء أمانة العاصمة صنعاء، يعيش أهله حياتهم الاعتيادية؛ ذهاب وإياب إلى منازلهم ومحلاتهم التجارية، فيما العدو السعودي يترصد خطواتهم، وعد أنفاسهم ودقات قلوبهم ، ويسعى متعمداً للفتك بهم بغارته المدمرة الحاقدة، كما فعل بهم اليوم.
وفي الساعة الحادية عشرة ظهراً تقريباً، من يوم الأحد، 11 أكتوبر 2026م، فيما المتسوقون القادمون من مديريات متعددة والأحياء المجاورة منهمكون في شراء احتياجاتهم من بسطات الملابس الشتوية، ومحلات بيع وشراء المجوهرات، والأدوات الإلكترونية بالجملة وغيرها، باشرهم العدو السعودي بغارة استهدفت أحد المنازل والشارع العام المحاذي له في باب شعوب، المدخل الشمالي لمدينة صنعاء القديمة، وأسفرت عن استشهاد طفل وجرح 8 مواطنين بينهم امرأة وطفل، حسب تصريح ناطق وزارة الصحة والبيئة الدكتور أنيس الأصبحي، وخلفت خسائر وأضراراً في المحال والمنازل المجاورة، وحالة رعب لدى الأطفال والنساء.
كما أفزعت غارة العدو السعودي المتسوقين والبائعين والنساء والأطفال في منازلهم، والمارة وسائقي الباصات والدراجات النارية، وتصاعدت أعمدة الغبار والنار والدخان في الحي، ليخرج الآمنون من تحت أسقف منازلهم خشية من أن تكون الغارة التالية عليهم، وسط صراخ الأطفال وأصوات الأمهات المناديات بأسماء صغارهن، والكل ينظر إلى مكان الغارة بريبة وخوف.
تهب فرق الإسعاف، والمسعفون المتطوعون والمارة إلى مكان الغارة للمساعدة في انتشال الجرحى وإسعافهم، وطمأنة المتضررين من ملاك المحلات التجارية والمنازل المجاورة، وسط ترقب لعودة الغارات مرة أخرى لاستهداف المسعفين كما كانت عادة العدو السعودي خلال الـ 12 عاماً الماضية، وقبل فاعلية دفاعاتنا الجوية التي تمنع عشرات الأسراب من الطائرات من الدخول إلى الأجواء اليمنية بفضل الله.
فرق الدفاع المدني بدورها تبادر إلى المكان المستهدف بمعداتها المختلفة لرفع الأنقاض من الحارات والأزقة التي ملئت بزجاجات النوافذ “القمريات” وخرف النوم والمطابخ ومحتويات المنازل وجدرانها القديمة، بقدم اليمن وحضارته الضاربة في التاريخ.
شهود عيان من سكان الحي يقولون لمراسل قناة “المسيرة” زميلنا محمد الجبلي، الذي بادر بالنزول إلى المكان لنقل الصورة الكاملة للعالم وفضح زيف العدو السعودي وادعاءاته الكاذبة: “هذا حي سكني وسوق شعبي ومحلات تجارية مفتوحة على مدار 24 ساعة، والغارة استهدفت منزل المواطن الجمالي وصالة أعراس، فما هذه الأهداف التي يقول العدو السعودي وقنواته الإعلامية إنه يستهدفها كأهداف عسكرية؟”.
وتتنقل عدسة المسيرة بين المنازل المتضررة لتنقل جريمة العدو السعودي مباشرة لكل أحرار العالم، والمنظمات الإنسانية والحقوقية علها تنهض بدورها، فتظهر حجم الجرائم التي يتعمدها العدو السعودي بحق المدنيين في اليمن.
هنا طفل أزهقت الغارة روحه دون سابق إنذار، وجرحت أمه ووالده وعدداً من أفراد أسرته، وهنا جراحات تنزف دماءً، وأصوات باكية شاكية لباريها بأن يأخذ بحقها ويقدر شعبها على الرد والصمود.
كبيرٌ في السن كانت الدماء تسيل منه ولا تسعفه قدماه وعظامه المنحنية لكبر السن وطول المعاناة من الخروج من داره قبل مجيء طيران العدو السعودي، فكان صيداً لغارة جبانة أوقعت فيه الجراح، وزادت من أنينه وآلامه وضعف جسده النحيل.
وهنا امرأة جُرحت وهي تجمع صغارها إثر نزول السقف على غرفة نومها، وحالها يدعو الله بأن يأخذ بحقها وحق شعبها اليمني المكلوم من العدو السعودي.
طفل شهيد، و8 جرحى بينهم امرأة وطفل، من أسر متفرقة أحزنهم العدو السعودي وأفجعهم، وجعل كل أقاربهم ومن يعرفونهم خصماً له؛ فهذا يزور الجريح، وآخر يعد العدة للتحرك نحو الجبهات، فيما أبناء الشعب يشاهدون الجريمة ويستشعرون عظيم المسؤولية الدينية والفطرية والأخلاقية والوطنية عليهم، فتحتشد مواكب الرجال شباباً وكباراً لرفد الجبهات بقوافل المال والرجال نصرة لأبناء شعبهم، وحتمية لحماية أنفسهم وأهاليهم من مصير يمكن وصوله إليهم في لحظة من قبل عدو لا يتورع عن ارتكاب الجرائم بحق المدنيين، ويرى في إزهاق الأرواح وسفك الدماء وإفساد الحرث والنسل قربة يتقرب بها إلى أسياده وأوليائه اليهود وفوقهم الشيطان الرجيم الذي يتولاه ويمكنه من إدارة خططه وسياساته تجاه شعوب الأمة ومقدساتها.
أما على مستوى الخسائر المادية، فتظهر المشاهد حجم الدمار والأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات؛ فهنا المنزل الذي سقطت عليه الغارة مباشرة قد فقد سقف وجدران عدد من غرفه في الدور العلوي، ونوافذ الأدوار المتبقية فيه، وتضررت المنازل والسيارات والمحال المجاورة له، والدماء مسفوكة على الأرض.
ومن داخل المنازل يتضح أن الدمار والأضرار كانا واسعين؛ فلا فرش سلمت ولا جدران ولا سقوف ولا نقوش، والكل بادر للخروج منها قبل أن تقع عليه؛ فهنا أم تحتضن 3 من أطفالها وتخرج بهم إلى خارج الحي، والكثير من الأمهات بذات الطريقة، والآباء والأبناء والأقارب ينتابهم الهلع ويتفقد بعضهم بعضاً؛ فهذا يعد أفراد أسرته، وآخر يتصل ليتفقد أطفاله وأسرته، والكل يعيش لحظات حرجة من اليأس والرجاء وتمني السلامة.
أصحاب المحال التجارية ينظرون إلى بضائعهم المكسرة والمركومة على الأرض بعين الحسرة، وفي داخلهم: الحمد لله على سلامة الأرواح قبل كل شيء، كما هو حال صاحب بقالة اختلطت العصائر لديه بالبسكويتات والبهارات، وفقدت الأدراج والرفوف انتظامها.
بعض المواطنين فزعوا من نومهم على إثر الغارة، ليخرج أحدهم بملابسه الداخلية وبيده بعض من أفراد أسرته؛ هذا يحتضن والده الكبير في السن، وآخر يخرج أمه التي أقعدها المرض، وذاك يجر أطفاله ويساعد زوجته للخروج بما أمكن قبل أن تعود غارة أخرى لاستهداف الحي.
ما كان بداخل النفوس حين سماع الغارة أكبر من أن يوصف في تقرير إخباري، وما لحق بأهالي حي باب شعوب من الألم والأضرار النفسية والمادية أكبر من أن تنقله عدسات الكاميرات، ويبقى حي شعوب جزءاً من صورة لجرائم العدوان السعودي المرتكبة بحق شعبنا اليمني في مختلف المحافظات على مدار 12 عاماً.
مواطن آخر من الناجين يقول: “هذا شارع والمارة فيه بكثرة، ومعروف عن هذا السوق والحي أنه مكتظ بالسكان والباعة والمتسوقين، فلماذا يستهدفون هذا المكان؟ ما هو المبرر، وفي أي شريعة تجيز لهم هذه الجريمة؟”.
أحد الناجين من سائقي الدراجات النارية المركومة في طرف الحي يشيد باستمرار تثبيت معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، موجهاً سؤاله لمجرم الحرب بن سلمان: “لماذا لا تواجه رجال الرجال في الجبهات لو كنت رجل حرب وفيك رجولة؟”.
متضرر من الحي ذاته يؤكد أن الجميع متجهون إلى الجبهات، وأن هذه الجرائم لن تزيد الشعب اليمني إلا النفير العام والتحرك للجهاد في سبيل الله دفاعاً عن المستضعفين والحقوق والأملاك والنساء والأطفال، وأن هذه الجرائم تتطلب من الجميع التحرك للجهاد ومواجهة العدو السعودي دون أي تأخير.
وفي سياق رسائل سكان حي باب شعوب تبرز أم كبيرة في السن، تبدأ كلامها بترديد شعار الصرخة في وجوه المستكبرين، قائلة بصوتها الصادح المتحدي وذراعها الملوح نحو السماء: “يا محمد بن سلمان، والله ما نخاف لا منك ولا من أمريكي ولا من إسرائيلي، أرواحنا ودماؤنا وأبناؤنا فداء لوطننا وبلادنا، وأنت دع اليهودي ترامب ينفعك”، متسائلة بغرابة: “تضرب أخاك المسلم؟”، ومجيبة: “سيضربك الله رب العرش العظيم”.
مواطن آخر كان يمر في الحي ذاته بسيارته، فأفقدته الغارة الفريمات، والزجاج، يقول بثقته العالية بالله، ووعده: “يا بن سلمان لن تخيفنا بطائراتك وعدوانك، وجرائمكم ، ولن توهن عزائمنا عن مواجهتك أبداً، ونحن مستمرون في رفد الجبهات بقوافل المال والرجال حتى تحقيق النصر الموعود بإذن الله”.
وتبقى جريمة باب شعوب وضحاياها المدنيون والخسائر المادية واحدة من شواهد مئات جرائم الحرب التي ارتكبها العدو السعودي بحق شعبنا اليمني على مدار 12 عاماً من العدوان والحصار، ووصمة عار في جبين المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحقوقية المنحازة لمن يدفع المال ويشتري المواقف، دون أي اعتبار لما بقي من القيم الفطرية والقواسم الإنسانية المشتركة بين بني البشر.
المسيرة نت

