على مدى 38 عاماً، دفعت أسنان أحفورية غير معتادة العلماء للاعتقاد بأن مجموعة غامضة من الثدييات التي عاشت في العصر الطباشيري قد تكون وثيقة الصلة بالثدييات المشيمية المبكرة.
والآن، كشفت أحفورة جديدة مكتملة بشكل مذهل عُثر عليها في منغوليا، وتعود لكائن يُدعى “Tamirkhan balcarceli”، عن قصة مختلفة: فقد تطورت تلك الأسنان، التي بدت مألوفة، بشكل مستقل ضمن سلالة أخرى قديمة من الثدييات.
ويُظهر هذا الاكتشاف، الذي نُشر في دورية “ناتشر العلمية”، كيف يمكن لهيكل عظمي واحد أن يقلب عقوداً من التفسيرات العلمية، ويوضح لماذا لا تكشف الأسنان وحدها دائماً عن العلاقات التطورية الحقيقية للحيوان.
الأحفورة التي غيرت المشهد
شهدت الثدييات المشيمية، وهي المجموعة التي تضم اليوم البشر والخفافيش والحيتان والعديد من الأنواع الأخرى، تنوعاً هائلاً بعد انقراض الديناصورات؛ إذ تطورت أسنانها لتتخذ أشكالاً متخصصة عديدة تتلاءم مع أنظمة غذائية تتراوح بين أكل اللحوم وأكل النباتات.
كانت معظم الكائنات المعروفة التي تنتمي للعصر الطباشيري وتُعد أقارب لهذه المجموعة (ولكنها تقع خارج “المجموعة التاجية” للمشيميات) تبدو مختلفة؛ فقد تميزت أضراسها عموماً بوجود نتوءات عالية وحادة، وهو ما يتوافق مع الأنظمة الغذائية المعتمدة على الحشرات.
ثم، قبل 38 عاماً، حدد علماء الحفريات بقايا أحفورية لمجموعة محيرة تُعرف باسم “زيليستيدات” (zhelestids). كانت أضراس هذه المجموعة منخفضة ومستديرة نسبياً “أو ما يُعرف بـ “بونودونت” (bunodont)” مما جعلها تشبه أسنان الثدييات المشيمية اللاحقة التي تتغذى على النباتات.
وأوحى هذا التشابه بأن “الزيليستيدات” قد تمثل حالة مبكرة وغير متوقعة من التنوع التطوري لثدييات تشبه المشيميات بشكل أكبر خلال أواخر العصر الطباشيري، وتكمن المشكلة في أن ما توفر للعلماء كان في الغالب مجرد أسنان وشظايا عظمية؛ فلم تكن هناك أي عينة محفوظة لحيوان من هذه المجموعة تجمع بين الأسنان وجزء كافٍ من الجمجمة والهيكل العظمي لاختبار تلك الفرضية بشكل سليم، وأخيراً، قدمت أحفورة “Tamirkhan balcarceli” ذلك الدليل المفقود.
ما كشفه الهيكل العظمي الجديد
تعود الأحفورة إلى أواخر العصر الطباشيري في منغوليا، وتمثل فرداً واحداً احتفظ بأضراس تشبه أضراس “الزيليستيدات” داخل الجمجمة، إلى جانب جزء من طرف خلفي مهيأ للجري، ورغمأن أسنان هذا الكائن بدت مطابقة لتلك التي تسببت في عقود من الحيرة والغموض، إلا أن بقية أجزاء جسمه روت قصة تطورية مختلفة تماماً.
فقد رصد الباحثون عدة سمات كانت تُعتبر تاريخياً مميزة لمجموعة أخرى من ثدييات العصر الطباشيري، تُعرف باسم “زالامبداليستويدات” (zalambdalestoids). شملت هذه السمات قواطع سفلية أولى مستطيلة ذات مينا محدودة وجذور مفتوحة تمتد أسفل الأضراس الخدية، وقنوات مميزة في الجمجمة، وعناصر ملتحمة في الجزء السفلي من الأطراف الخلفية، وعظام مشط قدم مستطيلة.
وبالنظر إليها مجتمعة، قادت هذه السمات الباحثين إلى استنتاج مفاده أن حيوانات “الزيليستيدات” لم تكن تمثل سلالة منفصلة شبيهة بالثدييات المشيمية وتتميز بأسنانها غير المعتادة؛ بل كانت تشكل نمطاً سنياً مميزاً ضمن مجموعة “الزالامبدالستويدات”.
يُغيّر هذا التصنيف الجديد فهمنا لموقع هذه الثدييات في التاريخ التطوري للثدييات الحقيقية المبكرة (eutherians)، وهي المجموعة الأوسع التي تضم الثدييات المشيمية وأقاربها المنقرضة.
لماذا كانت الأسنان مضللة للغاية؟
يكمن الدرس الرئيسي في مفهوم التطور التقاربي، حيث يمكن لحيوانات مختلفة أن تطور هياكل متشابهة بشكل مستقل عندما تواجه ضغوطاً بيئية مماثلة. وفي حالة الزيليستيدات، كانت أضراسها المستديرة تشبه أضراس الثدييات المشيمية العاشبة التي ظهرت لاحقاً، رغم أن الهيكل العظمي الجديد يُظهر أن هذا التشابه السني لم يكن يعكس علاقة تطورية وثيقة كما كان يُعتقد سابقاً.
بعبارة أخرى، يبدو أن التطور قد أنتج حلاً مشابهاً لمعالجة الغذاء في سلالات ثديية منفصلة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية بالغة لأن الأسنان تُعد من أكثر أحافير الثدييات حفظاً وبقاءً عبر الزمن، فهي مفيدة للغاية في تحديد الأنواع والأنماط الغذائية والعلاقات التطورية، إلا أن اكتشاف أحفورة “Tamirkhan” يثبت أن الأسنان المتشابهة قد تعكس أحياناً تكيفاً مماثلاً وليس بالضرورة أصلاً تطورياً مشتركاً.
أكثر من مجرد تصحيح تصنيفي
يؤثر هذا الاكتشاف أيضاً على مسألة أوسع نطاقاً: كيف كانت تبدو الثدييات خلال الفترة الأخيرة من عصر الديناصورات؟حيث كانت التفسيرات السابقة لأسنان الزيليستيدات تشير إلى أن الثدييات الحقيقية (eutherians) في العصر الطباشيري ربما كانت قد بدأت بالفعل في تبني بعض الأنماط الغذائية والأشكال السنية المتخصصة التي ارتبطت لاحقاً بالثدييات المشيمية.
غير أن الأحفورة الجديدة تُظهر أن جزءاً على الأقل من ذلك التنوع الظاهري الشبيه بالمشيميات كان ينتمي في الواقع إلى مجموعة “الزالامبدالستويدات”.
ولا يحسم هذا الاكتشاف الجدل الأوسع حول التوقيت الدقيق لنشوء الثدييات المشيمية، لكنه يزيل دليلاً كان يجعل بعض ثدييات العصر الطباشيري تبدو شبيهة بالمشيميات أكثر مما يوحي به تشريحها الكامل الآن.
لماذا تكتسب أحفورة كاملة واحدة كل هذه الأهمية؟
وعليه، فإن أهمية أحفورة “Tamirkhan balcarceli” لا تقتصر ببساطة على اكتشاف العلماء لثديي صغير آخر من عصر الديناصورات. تكمن أهمية هذا الاكتشاف في جمعه بين سمات الأسنان والجمجمة وتشريح الأطراف في كائن واحد.
فعلى مدى عقود، وجهت الأسنان الباحثين نحو تفسير تطوري معين، ولكن بمجرد توفر بقية الهيكل العظمي، تغيرت الصورة.
تُعد هذه الدراسة تذكيراً بمبدأ جوهري في علم الأحياء القديمة: إذ يمكن لسمة تشريحية واحدة أن تقدم معلومات وافية للغاية، غير أن الاستنتاجات التطورية الأكثر موثوقية غالباً ما تتبلور فقط عندما يتمكن العلماء من فحص الحيوان ككل، وفي بعض الأحيان، تكفي أحفورة واحدة مكتملة بشكل استثنائي لإعادة صياغة فرع بأكمله من شجرة عائلة الثدييات.
سبوتنيك عربي

