قد تمنح الهزيمة الكبيرة التي مُني بها دونالد ترمب في انتخابات الثلاثاء رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش مساحةً أكبر للتحرك بعيداً عن الضغوط السياسية التي ألقت بظلالها على عمله، بما يتيح له التركيز على كبح التضخم دون الانشغال بالاعتبارات السياسية بالقدر السابق.
يُعد هذا أحد الاستنتاجات الأولية لبعض مراقبي الاحتياطي الفيدرالي، الذين يرون أن الهزيمة الساحقة للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، مع تصنيف الناخبين تكاليف المعيشة ضمن أبرز مخاوفهم، قلبت موازين القوى السياسية المحيطة بالبنك المركزي رأساً على عقب.
الاقتصاد قبل الديمقراطية أحياناً.. كيف عاقب الناخبون الأميركيون ترمب والحزب الجمهوري؟
قال مارك سبيندل، مدير الاستثمار في “بوتوماك ريفر كابيتال” (Potomac River Capital)، الذي شارك في تأليف كتاب عن تاريخ استقلالية الاحتياطي الفيدرالي: “يمكن لوارش وفريقه الآن التركيز على السياسة النقدية. يريد وارش أن يترك إرثاً جيداً، لكن عليهم البدء في العمل”.
خيّم حضور ترمب على البنك المركزي وقراراته بشأن أسعار الفائدة منذ إعادة انتخابه في 2024. فقد طالب مراراً بخفض الفائدة، ودعم تحقيقاً جنائياً غير مسبوق بشأن أعمال تجديد مباني الاحتياطي الفيدرالي، وحاول إقالة عضوة في مجلس محافظي البنك كانت لا تزال تشغل منصبها.
مخاوف مستمرة بشأن استقلالية وارش
وفي خضم ذلك كله، اختار ترمب وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي في مايو، بعدما غيّر الأخير موقفه على نحو غير معتاد باتجاه تأييد خفض أسعار الفائدة. وأثار ذلك مخاوف لدى الديمقراطيين من أن الرئيس الجديد للبنك المركزي وافق على تطويع السياسة النقدية بما يتوافق مع رغبات الرئيس الأميركي.
اتخذ وارش خطوات عديدة لتبديد تلك المخاوف. فمع بقاء التضخم أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي لأكثر من خمس سنوات، وعودته إلى التسارع خلال الصيف، خالف وارش توقعات المشككين في استعداده لمواجهة الانتقادات السياسية، ورفع أسعار الفائدة في سبتمبر.
وساعدت تصريحاته عقب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في أكتوبر أيضاً على تعزيز التوقعات برفع الفائدة مجدداً في ديسمبر.
ومع ذلك، قاد وارش قرار الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير قبيل انتخابات التجديد النصفي، رغم صدور تقرير أظهر تسارعاً قوياً للتضخم في سبتمبر. وأصر على أن الانتخابات لم تؤدِ أي دور في القرار، لكن تلك الخطوة، إلى جانب تحفظه المستمر في الإفصاح عن توقعاته للاقتصاد، عززت المخاوف القائمة من أنه يتجنب إثارة غضب الرئيس الأميركي.
نتيجة في صالح “الفيدرالي”
الهزيمة الانتخابية الكبيرة قد تغير هذا الوضع، إذ أشار داليب سينغ، كبير الاقتصاديين العالميين لدى “بي جي آي إم” (PGIM)، والمسؤول الكبير السابق في إدارة جو بايدن، إلى أن نتائج الانتخابات تصب في مصلحة الاحتياطي الفيدرالي، ليس فقط لأنها تمثل رفضاً لترمب، بل لأنها توضح لصناع السياسة النقدية المشكلة التي يريد الناخبون معالجتها.
وتساءل سينغ الأربعاء، خلال مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ: “السؤال هو: مع تراجع قبضة الرئيس على البلاد، وإعلان الناخبين بوضوح أن تكاليف المعيشة كانت القضية الأولى في هذه الانتخابات، هل سيلتقط كيفن وارش والاحتياطي الفيدرالي هذه الرسالة ويؤديان مهمتهما؟”. وأضاف: “نرى أن الإجابة نعم”.
وتوقع سينغ أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار نقطة مئوية كاملة خلال العام المقبل.
من الاقتصاد للسياسة.. لماذا انتزع الديمقراطيون الكونغرس من ترمب؟
قد تؤدي الانتخابات أيضاً إلى انشغال ترمب والبيت الأبيض بقضايا أخرى، بما يقلص اهتمامهما باستهداف الاحتياطي الفيدرالي، وفقاً لستيفن مايرو، الشريك الإداري في “بيكون بوليسي أدفايزرز” (Beacon Policy Advisors)، والمسؤول السابق في وزارة الخزانة خلال إدارة جورج دبليو بوش.
وقال مايرو: “سيكون لدى ترمب كثير من القضايا الأخرى التي يتعين عليه التعامل معها. لذلك لن يحظى الاحتياطي الفيدرالي بالقدر نفسه من الاهتمام الذي كان يمكن أن يحظى به سابقاً”.
وارش يستعد لمرحلة ما بعد ترمب
في الوقت نفسه، ربما بدأ وارش يفكر بصورة أكبر في مرحلة ما بعد ترمب، إذ تمتد ولايته رئيساً للاحتياطي الفيدرالي حتى عام 2030، أي إلى فترة متقدمة من ولاية الإدارة الأميركية المقبلة.
قال تيم دوي، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى “إس جي إتش ماكرو أدفايزرز” (SGH Macro Advisors): “كان وارش سيبقى في منصبه بعد انتهاء ولاية ترمب على أي حال، ولذلك كانت لديه دائماً دوافع لمقاومة ضغوطه”.
إنهاء حرب إيران قد يقلص الحاجة إلى رفع الفائدة
لكن مُحللين آخرين حذّروا من افتراض أن أسعار الفائدة ستتخذ الآن مساراً أعلى.
قالت كلوديا سام، كبيرة الاقتصاديين لدى “نيو سينشري أدفايزرز” (New Century Advisors): “كل ما يتعلق بنمط سلوك الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، من حيث إبقاء الفائدة دون تغيير ثم رفعها ثم تثبيتها مجدداً، كان يمكن أن يحدث حتى لو تصرف البيت الأبيض بصورة طبيعية تماماً، ولم يكن يضغط باستمرار على الاحتياطي الفيدرالي لخفض الفائدة”.
أهم سؤال في الانتخابات: كم يدفع الأميركيون مقابل رسوم وحرب ترمب؟
وأضافت: “سأكون شديدة الحذر من القول إن الاحتياطي الفيدرالي سيبدأ الآن في تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة لمجرد أن البيت الأبيض تلقى رفضاً من الناخبين”.
بل إن الاحتياطي الفيدرالي قد لا يحتاج إلى مزيد من رفع أسعار الفائدة إذا دفعت نتائج الانتخابات ترمب إلى إنهاء الحرب في إيران والتراجع عن فرض رسوم جمركية إضافية.
وقالت سام: “قد يكون المسار الفعلي لأسعار الفائدة الناتج عن هذه التطورات أقل، وليس أعلى”.
الشرق بلومبرغ

