العالم يشهد واحدة من أكبر صدمات إمدادات النفط في التاريخ
توقع البنك الدولي أن يتجاوز متوسط سعر خام برنت 90 دولاراً للبرميل خلال العام الجاري، بعدما قلب الصراع في الشرق الأوسط موازين سوق النفط من فائض في المعروض وتوقعات بهبوط الأسعار إلى واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في التاريخ، وفق أيهان كوسي، نائب كبير الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي.
وقال كوسي، في مقابلة أجرتها الزميلة نور عماشة على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، إن البنك كان يتوقع في بداية العام أن تتراوح أسعار النفط بين 65 و70 دولاراً للبرميل، مع مخاطر قد تدفعها إلى ما دون 60 دولاراً، في ظل وفرة الإمدادات وضعف الطلب.
لكن اندلاع الصراع في الشرق الأوسط غيّر تلك المعادلة بصورة حادة، بحسب كوسي، الذي قال إن الأزمة أحدثت “واحدة من أكبر صدمات العرض في التاريخ، إن لم تكن الأكبر على الإطلاق”.
وكان البنك الدولي قد وصف الاضطرابات التي أصابت إمدادات النفط في وقت سابق من العام بأنها الأكبر على الإطلاق، مقدراً الانخفاض الأولي في المعروض العالمي بنحو 10 ملايين برميل يومياً، بعدما أثرت الهجمات على البنية التحتية للطاقة واضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز في التدفقات العالمية.
عودة الشحن عبر هرمز
رغم حجم الصدمة، يرى كوسي أن أزمة نقص الإمدادات التي ظهرت في بداية الصراع بدأت تنحسر، خصوصاً بالنسبة إلى حركة النفط عبر مضيق هرمز.
وقال إن “الشحنات عبر المضيق عادت إلى مستويات ما قبل الصراع تقريباً”، في مؤشر على تحسن كبير مقارنة بالاضطرابات التي شهدتها السوق في المراحل الأولى من الأزمة.
وكان تعطل الشحن عبر المضيق قد دفع سعر خام برنت إلى نحو 120 دولاراً للبرميل في وقت سابق من العام، بزيادة تقارب الثلثين عن مستواه عشية اندلاع الصراع، وفق بيانات البنك الدولي.
لكن عودة تدفقات الخام لا تعني انتهاء الاضطرابات في سوق الطاقة، إذ أشار كوسي إلى استمرار مشكلات أخرى، خصوصاً في سوق المنتجات النفطية المكررة التي شهدت ارتفاعات أكبر في الأسعار.
ويشير ذلك إلى أن أثر الصراع لم يعد مقتصراً على توافر الخام، بل امتد إلى أجزاء أخرى من سلسلة الطاقة، ما يزيد صعوبة تقييم التداعيات النهائية على العرض والأسعار والاقتصاد العالمي.
صدمة في العرض والطلب معاً
في المقابل، لا يتوقع البنك الدولي أن تؤدي صدمة الإمدادات بالضرورة إلى ارتفاع غير محدود للأسعار، إذ تعمل قوى معاكسة على جانب الطلب على كبح السوق.
وقال كوسي إن العالم يتجه إلى تسجيل “أحد أكبر الاضطرابات في إمدادات النفط خلال العصر الحديث”، لكنه أضاف أن العام نفسه قد يشهد أيضاً “أحد أكبر التراجعات في الطلب على النفط خلال العصر الحديث”.
وأوضح أن تراجع الطلب كان عاملاً حاسماً في منع الأسعار من الصعود إلى مستويات أعلى، في وقت لا تزال فيه كميات كبيرة من النفط متاحة في السوق العالمية.
وبحسب كوسي، سيظل الاختلال بين العرض والطلب قائماً في المستقبل المنظور، إلا أن تحديد الصورة طويلة الأجل يتطلب انتظار انتهاء الصراع واستقرار أسواق الطاقة.
وكان البنك الدولي قد توقع في أبريل أن يبلغ متوسط سعر برنت 86 دولاراً للبرميل في 2026، ارتفاعاً من 69 دولاراً في 2025، استناداً إلى افتراض انحسار أشد اضطرابات الإمدادات تدريجياً. وتشير تصريحات كوسي الجديدة إلى متوسط يتجاوز 90 دولاراً، ما يعكس تغير ظروف السوق مقارنة بالافتراضات السابقة.
الذهب يستفيد من التوترات
لا تقتصر تداعيات التوترات الجيوسياسية على النفط، إذ قال كوسي إنها غيّرت أيضاً السلوك الاحترازي للبنوك المركزية والمستثمرين، ودفعت إلى زيادة الاهتمام بتنويع الأصول والاحتياطيات.
وأشار إلى أن بعض البنوك المركزية تعمل على زيادة حيازاتها من أصول متنوعة، من بينها الذهب وأصول آمنة أخرى، في محاولة لتقليص المخاطر التي تواجه محافظها.
وقال كوسي إن هذا التوجه “منطقي” في ظل البيئة الحالية، كما أن ارتفاع التضخم يمكن أن يعزز جاذبية الذهب لدى المستثمرين باعتباره أداة للتحوط.
لكنه استبعد أن يعني ذلك تراجعاً سريعاً في الدور المحوري للعملة الأميركية، قائلاً إن “الدولار لا يزال يحتفظ بمكانة قوية للغاية في النظام المالي الدولي”.
ويرى كوسي أن العلاقة بين التوترات الجيوسياسية وأسعار الذهب أصبحت واضحة، لكن استمرار الإقبال على المعدن النفيس يثير تساؤلات في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة، نظراً إلى أن الذهب أصل لا يدر عائداً.
وبينما استعادت تدفقات النفط عبر هرمز جزءاً كبيراً من مستوياتها السابقة، تظل أسواق الطاقة والمعادن تحت تأثير مسار الصراع. وبالنسبة إلى النفط تحديداً، يرى البنك الدولي أن الحكم على التحولات الهيكلية في السوق لا يزال مبكراً، في ظل صدمتين متزامنتين: اضطراب تاريخي في الإمدادات وتراجع استثنائي في الطلب.
الشرق بلومبرغ

