بعد أشهر ظلت خلالها أنظار أسواق الطاقة شاخصة إلى مضيق هرمز، قد تأتي الصدمة التالية هذه المرة من واشنطن، إذا فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قيوداً على صادرات الديزل. ومن شأن خطوة كهذه أن تخفض الأسعار داخل الولايات المتحدة، لكنها قد تنقل ضغوط الإمدادات إلى الدول المستوردة لهذا الوقود الحيوي، وفي مقدمتها البرازيل والمملكة المتحدة ومصر.
يأتي الجدل بشأن الحظر الأميركي المحتمل على صادرات الديزل في وقت تعافت فيه صادرات النفط الخام من الخليج العربي خلال الشهر الجاري، لتسجل أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب على إيران.
قال ترمب للصحفيين، يوم الأربعاء، إنه لا يزال يدرس مع وزير الطاقة كريس رايت ووزير الداخلية دوغ بورغوم فرض قيود على مبيعات الديزل إلى الخارج، لكنه أشار إلى تحذيرهما من أن فرض حظر واسع قد ينعكس سلباً على إنتاج البنزين أيضاً، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعاره وأسعار سلع أخرى.
ويتمثل الدافع الرئيسي وراء احتمال تقييد الصادرات في دخول الولايات الأميركية الزراعية ذروة موسم حصاد الخريف، في وقت تجاوز فيه متوسط سعر الديزل، الذي تعتمد عليه الجرارات والشاحنات والآلات الزراعية، 6.50 دولار للغالون، بزيادة 70% عن مستواه قبل الحرب. ويؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف المعيشة، ما يفاقم قلق الأميركيين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
منفعة لأميركا وضرر لحلفائها
نقلت “بلومبرغ” عن رئيسة استراتيجية السلع العالمية في “جيه بي مورغان” ناتاشا كانيفا قولها، إن حظراً على صادرات الديزل لمدة 30 يوماً سيخفض سعره في الولايات المتحدة إلى 4.70 دولار للغالون من نحو 6.50 دولار حالياً.
لكن الخطوة ستلحق الضرر بشركاء الولايات المتحدة، ومن بينهم دول زراعية كبرى مثل البرازيل والمكسيك وتشيلي، التي تُعدّ أكبر ثلاث وجهات لصادرات الديزل الأميركية، بحسب بيانات “فورتيكسا” لتتبع السفن. أما في أوروبا، فتتصدر المملكة المتحدة وهولندا وفرنسا قائمة المستوردين.
حربان في برميل واحد
تواصل أسعار الديزل ومشتقات بترولية أخرى الارتفاع، على الرغم من انتعاش صادرات النفط من دول الخليج. ويعود ذلك إلى أن ارتفاع الإمدادات لا يعوّض بمفرده المشتقات المفقودة من المصافي المتضررة بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية وحرب إيران.
وظهرت هذه الأزمة بوضوح في التقرير الشهري لوكالة الطاقة الدولية، إذ أشارت في سبتمبر إلى أن كميات الخام المعالجة في المصافي العالمية كانت أقل بنحو 4.2 مليون برميل يومياً عما كانت عليه قبل عام.
وتقدر الوكالة نقص إمدادات الديزل وزيت الغاز الناتج عن حربي روسيا وأوكرانيا من جهة والولايات المتحدة وإيران من جهة أخرى، بـ1.6 مليون برميل يومياً مقارنة بما كانت عليه قبل سنة، حين كانت تستحوذ المنطقتان على نحو 45% من التجارة البحرية العالمية للمشتقات البترولية.
وكتبت سارة رفّول، كبيرة محللي المنتجات النفطية في نشرة “أرغوس ميديا” المتخصصة في أخبار وبيانات الطاقة، أنه “لا يُتوقع حدوث نقص حاد في إمدادات الديزل الفعلية”، حتى لو طبقت الولايات المتحدة الحظر، لأن “السوق ستستعيد توازنها في نهاية المطاف من خلال السحب من المخزونات وتقليص الطلب وحوافز أقوى لزيادة الإمدادات”.
وأضافت في تصريح لـ”الشرق بلومبرغ”، أن “إمدادات الديزل لن تنفد فعلياً، لكن المنافسة على البراميل المتوفرة ستشتد، ما سيدفع الأسعار إلى الارتفاع، حتى يعود التوازن بين العرض والطلب”.
بين الحقل وميادين القتال
يساهم ارتفاع الديزل بشكل جوهري في رفع معدل التضخم نظراً لتأثيره على كلفة المواد الغذائية والصناعية ومواد البناء والمواصلات. كما يعتبر الوقود الأساسي المستخدم في الآليات الزراعية، وآليات قطاع التشييد والتعدين، فضلاً عن الباصات وشاحنات النقل.
كما أنه وقود ميادين القتال، فهو ما يحرك الدبابات والمدرعات والمدافع المقطورة والشاحنات. لذا، تعتبر أوكرانيا أن المصافي الروسية هي أهداف عسكرية مشروعة، وواصلت خلال الفترة الماضية استهدافها، ما دفع موسكو إلى حظر تصدير مشتقات نفطية من بينها الديزل.
تجاهلت كييف طلب ترمب بالتوقف عن استهداف مصافي النفط الروسية لكونها تتسبب في شح الديزل عالمياً، إذ واصلت هجماتها بالطائرات المسيّرة فيما نفى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إجراء أي نقاش لوقف هذه الهجمات من جانب واحد.
مصر بمواجهة حظرين
قالت رفّول إن حظر موسكو قد أثقل كاهل مصر التي كانت قد لجأت إلى إمدادات الديزل الروسية والهندية لتعويض الكميات التي كانت تستوردها من دول الخليج.
واكتسب السولار، وهو الاسم المحلي للديزل، أهمية متزايدة في السنوات الماضية مع تراجع الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي. وباتت البلاد تعتمد بدرجة أكبر على المازوت والديزل للحفاظ على توليد الكهرباء خلال ذروة الطلب في الصيف.
ويُشغّل السولار كذلك مضخات الري ووسائل النقل العام والمنشآت الصناعية، كما يُعد مصدر الطاقة الرئيسي في المزارع غير الموصولة بالشبكة الكهربائية، ما يجعله قناة رئيسية لانتقال الضغوط إلى معدل التضخم السنوي، رغم أن الحكومة تدعمه مع البنزين، وتحدد سعري بيعهما بالتجزئة. يشار إلى أن القاهرة رفعت في مارس سعر السولار بنحو 17.1% إلى 20.50 جنيه للتر، وزادت تعريفة الحافلات والنقل الجماعي في القاهرة.
تكمن المعضلة في أن تثبيت أسعار الوقود محلياً، في الوقت الذي ترتفع تكلفة توفيره، يوسع الفارق الذي تتحمله الدولة بين التكلفة وسعر البيع. أما رفع الأسعار لاحتواء هذا الفارق، فيزيد أعباء المستهلكين وتكاليف النقل والإنتاج، وهو ما قد يزيد من الضغوط التضخمية.
وقالت علياء المبيّض، كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى بنك الاستثمار “جيفريز”، إن مصر قد تحتاج إلى زيادة أسعار الوقود مرة أخرى لاحتواء فاتورة الدعم، في ظل ارتفاع الأسعار عالمياً.
وشددت في مقابلة على برنامج “ويك اند القاهرة” مع زينة صوفان على “الشرق بلومبرغ” الأسبوع الماضي، على الأهمية الإضافية لاحتواء تكاليف استيراد الطاقة، في ظل رغبة الحكومة في عدم اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لطلب تمويل جديد، بعد انتهاء الاتفاق الحالي نهاية هذه السنة.
وتوقع مسؤول حكومي مصري تحدث لـ”الشرق بلومبرغ” في 20 سبتمبر، أن تتضاعف فاتورة واردات مصر من النفط الخام والمنتجات البترولية في الربع الأخير من العام الجاري إلى نحو 9 مليارات دولار، مقابل نحو 4.5 مليار دولار في الفترة ذاتها من 2025.
الشرق بلومبرغ

