يبدو أن مسار معالجة القضية الكردية في تركيا والحوار الجاري بين القيادة الكردية والدولة التركية مرشح للاستمرار لفترة طويلة، في ظل تعقيدات سياسية وميدانية، وتباين في المواقف داخل الجانب الكردي، وعدم اتخاذ الحكومة التركية حتى الآن خطوات عملية ملموسة تقابل الخطوات التي اتخذها حزب العمال الكردستاني.
وكشفت مصادر غير رسمية أن عضوين من المجلس الرئاسي لمنظومة المجتمع الكردستاني KJK نُقلا منتصف الأسبوع الماضي عبر مروحية من جبال جنوب كردستان إلى جزيرة إيمرالي، للقاء زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، للتشاور بشأن آخر تطورات الحوار بين الجانبين.
وبحسب المعلومات، يشرف أوجلان بشكل مباشر من إيمرالي، وبالتنسيق مع قيادة قنديل وعدد من الكوادر الكردية في الشمال، على إدارة الحوار مع الدولة التركية.
وتشير التسريبات المتداولة في وسائل إعلام تركية ومصادر مطلعة إلى أن المحور الأساسي للمباحثات يتركز على ثلاث قضايا: آلية نزع السلاح، وإجراء تعديلات دستورية أو قانونية تعترف بوجود الشعب الكردي، وصيغة اندماج الكرد بشكل فاعل في الحياة السياسية التركية.
وكان مستشار الرئيس التركي (محمد أوجوم) قد أعلن الأسبوع الماضي مشاركة أوجلان في لجنة نزع سلاح حزب العمال، في إشارة اعتبرت دليلاً على جدية الحزب في إنجاح مسار السلام، كون ملف السلاح لا يمكن حسمه دون أوجلان.
في المقابل، تبدي أوساط داخل قيادة حزب العمال تحفظاً وتردداً إزاء نوايا أنقرة، معتبرة أن الدولة التركية تتهرب من تنفيذ التزاماتها ولم تقدم أي خطوة عملية حتى الآن.
وترى هذه الأوساط أن نزع السلاح دون ضمانات مسبقة وخطوات متبادلة يمثل مجازفة بمصير القضية الكردية، كما تتباين وجهات النظر داخل قنديل بشأن السقف الزمني المحدد لنزع السلاح، حيث يطالب جناح بضمانات إضافية قبل المضي قدماً.
ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه الحزب رسمياً وقف العمل المسلح، وأخلى نحو 180 قاعدة ومقراً ونقطة دفاعية في جبال جنوب كردستان، لا سيما في مناطق كاره وماتين وزاب، مع تجميد كامل للعمليات منذ أكثر من عام.
في المقابل، تتحفظ الدولة التركية على خارطة الطريق التي جرى تداولها إعلامياً، وتبدي تردداً في إجراء تعديلات قانونية تتعلق بالاعتراف بالحقوق القومية للكرد أو إصدار عفو عام. وتشير التقديرات إلى أن أنقرة تميل إلى اتفاق سياسي محدود يقتصر على تسهيل عودة مقاتلي وكوادر الحزب من أوروبا وخارج تركيا.
وتتحدث معلومات عن توجه أوجلان لإنشاء مكتب استشاري خاص قرب مقر احتجازه، يضم كوادر من أوروبا وجبال كردستان لمساعدته في إدارة ملف السلام، غير أن فرص نجاح هذه الخطط تبقى مرهونة بمدى جدية الدولة التركية التي لا تزال موضع شك لدى الجانب الكوردي.
حسابات أردوغان الانتخابية
ورغم العوائق الدستورية، ترجح مؤشرات سياسية سعي الرئيس رجب طيب أردوغان للترشح مجدداً للرئاسة عبر إيجاد ثغرة قانونية تسمح له بذلك في انتخابات نيسان 2028، وسط مخاوف من محاولة توظيف الملف الكردي كورقة انتخابية.
ويرى مراقبون أن التراجع عن مسار الحل بات صعباً بالنسبة لأنقرة، بعد أن وصل الوعي القومي في شمال كردستان إلى مستوى يصعب احتواؤه، كما أن استمرار الوضع القائم لم يعد ممكناً، خاصة في ظل التنافس الإقليمي المحتدم بين تركيا وإسرائيل على النفوذ في المنطقة، وهو ما يدفع أنقرة لتجنب انهيار الحوار مع أوجلان، حتى وإن اضطرت لتقديم تنازلات جزئية.
وفي سياق التطورات الإقليمية، تبدي إسرائيل عدم ارتياح لمسار الحوار الكردي مع كل من تركيا وسوريا، وتسعى وفق متابعين لاستخدام الورقة الكردية كأداة ضغط، دون تقديم أجندة واضحة لمستقبل الكرد.
فبعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، دعمت وسائل إعلام إسرائيلية القضية الكردية بشكل لافت ووجهت رسائل مناهضة لأنقرة ودمشق، لكنها التزمت صمتاً كاملاً عندما سمحت واشنطن للإدارة الجديدة في دمشق باستهداف مناطق كردية، وهو ما يعكس – بحسب التقرير – تعامل تل أبيب مع الملف الكردي من منطلق مصلحي مرتبط بالأجندة الأمريكية في المنطقة.
إن مسار الحل واضح من حيث المبدأ، والسلطات التركية تدرك صعوبة التراجع عنه، لكنها تصطدم بذهنية مترسخة منذ أكثر من مئة عام تقوم على إنكار وجود غير الأتراك في تركيا، وهي ذهنية غذت الشارع التركي بالنزعة القومية المتشددة، ما يجعل التغيير السريع صعباً، وإن كان اتخاذ بعض الخطوات بات أمراً لا مفر منه.
عربيةDraw

